ياسر الحبيب .. قضية الإضلال المحترف

 

khaledshatti
المحامي خالد حسين الشطي

الحق أنني أقف اليوم لأسجل اعترافي بالدهاء السياسي والأداء التضليلي المحترف الذي مارسه بعض النواب في قضية ياسر الحبيب، وأسجل دهشتي وحيرتي من انقلاب الشخصية الأعرابية، وتطور الفكر الجاهلي، من مرحلة محاكاة البيئة القاحلة والتغلب على صعابها، إلى حبك المؤامرات وصنع الأزمات التي تترنح أمامها أعرق الحكومات وأقوى الدول!… وهو مما ينبغي أن يدرس في الأكاديميات، ويعلن كرقم يحكي تطوراً نوعياً في أداء شريحة نجحت بكفاءة في توظيف قدراتها خارج بيئتها، واستطاعت ممارسة المكر والحيلة والالتفاف على الواقع في حقل وميدان مستجد، يكاد يكون غريباً تماماً عن محيطها ونطاق حراكها الطبيعي المحصور والمحدود- في رؤية بعض علماء الاجتماع- في مغالبة قسوة الصحراء، والقدرة على العيش في أماكن قاحلة، وبيئات طاردة في طبيعتها، حيث غلبوا العطش وسدوا رمقهم وهم يبلغون أعماق الآبار، ويلاحقون مجامع مياه الأمطار، وبقايا نداوة جادت بها السماء يوماً، وهزموا الجوع وهم يقتاتون على الهوام والحشرات والزواحف…


ها هم يتألقون بعيداً عن بيئتهم وينجحون في تسجيل الأرقام تلو الأرقام في ميدان متمدن غريب عليهم، وحقل سياسي متطور لا يلتقي ببدائيتهم بأي نحو… فأين هؤلاء من البرلمان والحياة النيابية، وأين هم عن القانون والقيم والمبادئ الدستورية؟! وكيف استطاعوا أن يتحكموا في البلاد والسياسات العامة التي تديرها، والتدخل حتى في أخص خصوصيات السلطة ومواقع القرار؟!
وهذا الأداء ليس سابقة ولا بدعاً، إذ شهد تاريخنا الإسلامي مؤامرات حيكت بدهاء قل له النظير، وأدنى ما اشتهر قضية التحكيم وكيفية خلع مولانا أميرالمؤمنين عليه السلام… ولكنها كانت من عتاة قريش، وقريش بيئة مدنية بعض الشيء، غير خالصة في الجهالة، ولا متمحضة في الأعرابية.
نعم، لم يخل الأداء هنا من الطابع الصحراوي، في التهديد والوعيد، والتلويح بالسيوف، لا في رقصات العرضة، بل في الخطاب السياسي والتعبئة الإعلامية!… ولكن هذا لا ينال من تألقهم ونجاحهم الباهر.
وهو أمر جعلني أتذكر كلمة لأمير المؤمنين يقول فيها: «لوددت والله أن معاوية صارفني بكم صرف الدينار بالدرهم فأخذ مني عشرة منكم وأعطاني رجلا منهم. يا أهل الكوفة منيت بكم بثلاث واثنتين: صم ذوو أسماع، وبكم ذوو كلام، وعمي ذوو أبصار. لا أحرار صدق عند اللقاء، ولا إخوان ثقة عند البلاء. تربت أيديكم. يا أشباه الإبل غاب عنها رعاتها كلما جمعت من جانب تفرقت من جانب آخر»… ألا ليت كان للحق نواب في مجلس الأمة مثل هؤلاء، ينتزعون مطالبهم ويقتلعونها من عيون خصومهم، كما كانوا ينقبون ويستخرجون الماء من أعماق الأرض القاحلة، ويسدون رمقهم، ولو بأكل الضباب والخشاش والهوام.
قضية لا تشكل أي رقم على الصعيد القانوني، فلا جريمة هنا وبالتالي لا عقاب… الواقعة حدثت في بلد لا يجرمها، والمواطن إذا أجرم في الخارج لا يحاسب إلا على ما يشكل جريمة في البلد التي كان فيها، فلا يمكن محاسبة كويتي على تعاطي المخدرات في هولندا مثلاً، لأن هذا البلد لا يجرم ذاك الفعل. أما القول بأن الجريمة سرت وبلغت الكويت عبر الإنترنت، فهذا مدفوع بفراغ تشريعي، لا يمكن معه ملاحقة المتهم، ولا محاسبته .
أما على الصعيد السياسي والاجتماعي المحلي والعالمي… فقد نجح القوم في صرف الأنظار، واستقطاب الاهتمام، إلى حيث يريدون، بعيداً عن مواقع ملتهبة بالعهر الذي يمارس هناك باسم الدين، حيث عصفت بالعراق موجة جديدة من التفجيرات، كانت تقتضي – في الأقل الأدنى – التوقف والتدبر في تداعياتها علينا كأقرب بلد إليهم، وأكثر خطر يتهددنا. وفي الفترة نفسها قتلت طالبان في اسبوع واحد أكثر من ثلاثمئة إنسان في تفجيرات انتحارية استهدف أحدها موكباً خرج في ذكرى استشهاد أمير المؤمنين، أي كان استنكاراً لجريمة الخوارج، وآخر خرج يوم القدس، أي استنكاراً لجريمة اليهود الصهاينة، والقوم استهدفوهم وقتلوهم وقطعوهم أشلاءً، حدث ذلك في بلد منكوب بالفيضانات والسيول، ويعيش ثلث سكانه في العراء، ينتظر طعامه من إعانات الأمم المتحدة!
لم يشغل هذا ولا ذاك شيئاً يذكر من إعلامنا واهتمامنا هنا في الكويت، ولا حرّك ساكناً ولا عبأ مجاهداً ولا استفز عاطفة ولا أهاج غيرة… فقد كنا جميعاً في شغل عن الجثث المتناثرة والأشلاء المقطعة، وعن السيول والعوائل اللاجئة في الخيام المهترئة، مشغولون بما قال ياسر وفعل! أما ثالثة الأثافي فهي مقارنة ياسر الحبيب بغيره، وشتان بين شاب يريد الظهور، لاجئ يعبث بالكلام والقلم، وآخرون يعبثون بالبندقية والمتفجرات، بين من يقيم الحفلات، ومن يقيمون المذابح في المساجد والأسواق والوزارات والمدارس والجامعات!
ولم يسأل أحد من الغيارى على أم المؤمنين عائشة نفسه، بأن الله أعظم حرمة من عائشة، وهو يُسب ويحارب ويكفر به في كل مكان، فلماذا لم يحركوا ساكناً؟ ولم يسأل أحد نفسه عن الأغراض الطائفية والأمراض الفئوية التي استفزتهم وعبأتهم، وهي نفسها، بنفس الأدوات ستهدئهم وترشدهم وتأخذهم بعيداً عن الفتنة متى ما قضت وطرها من ياسر الحبيب، فستنسى عندها أم المؤمنين!
هل هناك إسفاف وانحدار أكثر من هذا؟ دعك عن الإنسانية وقيمها، فإن المبادئ الإسلامية نفسها، التي استفزت القوم هنا لقول طائش، تقول إن من قتل نفساً فكأنما قتل الناس جميعاً، وتدين فعلاً إرهابياً منظماً… وهم لا يبالون ولا يعبأون.
لقد أثبت المتأسلمون وحاضنوهم أنهم مبدعون في التأزيم، ناجحون في الشحن والتعبئة، قادرون على إرغام الدولة وإكراه القرار وانتزاع ما يريدون… أما في الدين والوطنية والإنسانية، فقد سجلوا رقماً معاكساً سيكون وصمة عار أبدية ضربت جباههم وجنوبهم وظهورهم، سيلقونها يوم القيامة مهلاً يشوي وجوههم من فرط ما جنوا على الإسلام والوطن والإنسان، وإن غفل الأكثرية ونجحت الحيلة وانطلت على الناس، فما الله بغافل عما يعملون .
مئة سؤال وسؤال:
إلى وزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء: ما هي الإجراءات التي اتخذتها بحق موظف في الفتوى والتشريع، وكاتب صحفي في الوقت نفسه! استغل نفوذه الصحفي ليشن حملة صحفية معلنة على إدارته الحكومية على خلفية أغراض شخصية؟!
Khalid-alshatti@khalid-alshatti.com

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s


Follow

Get every new post delivered to your Inbox.